ابن كثير
131
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير » هذا حديث غريب جدا . وقوله تعالى : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ قرئ : وعبد الطاغوت على أنه فعل ماض ، والطاغوت منصوب به ، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت ، وقرئ : وعبد الطاغوت بالإضافة على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت ، أي خدامه وعبيده ، وقرئ : وعبد الطاغوت على أنه جمع الجمع عبد وعبيد وعبد مثل ثمار وثمر ، حكاها ابن جرير « 1 » عن الأعمش ، وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها وعابد الطاغوت ، وعن أبي وابن مسعود : وعبدوا ، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها : وعبد الطاغوت على أنه مفعول ما لم يسم فاعله ، ثم استبعد معناها ، والظاهر أنه لا بعد في ذلك ، لأن هذا من باب التعريض بهم ، أي وقد عبد الطاغوت فيكم وأنتم الذين فعلتموه ، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا والذي هو توحيد اللّه وإفراده بالعبادات دون ما سواه ، كيف يصدر منكم هذا ، وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر ؟ ولهذا قال أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً أي مما تظنون بنا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة ، كقوله عز وجل : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا . وقوله تعالى : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر ، ولهذا قال وَقَدْ دَخَلُوا أي عندك يا محمد بِالْكُفْرِ أي مستصحبين الكفر في قلوبهم ، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم ، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر ولهذا قال وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ فخصهم به دون غيرهم ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ أي واللّه عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم ، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك ، وتزينوا بما ليس فيهم ، فإن اللّه عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم ، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء وقوله وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ أي يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، أي لبئس العمل كان عملهم ، وبئس الاعتداء اعتداؤهم . وقوله تعالى : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ يعني هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك ، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم ، والأحبار هم العلماء فقط لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ يعني من تركهم ذلك ، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين عملوا ، قال : وذلك الأمر كان ، قال : ويعملون
--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 634 .